الأربعاء، 13 أغسطس، 2014

قوتا التفكير والوجدان

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


نص مقتبس من كتاب النبأ العظيم
لـ محمد عبدالله دراز


امتاع العقل وامتاع العاطفة



في النفس الإنسانية قوتان: قوة تفكير، وقوة وجدان،
وحاجة كل واحدة منهما غير حاجة أختها؛ فأما إحداهما
فتنقب عن الحق لمعرفته، وعن الخير للعمل به،
وأما الأخرى فتسجل إحساسها بما في الأشياء من لذة وألم؛
والبيان التام هو الذي يوفي لك هاتين الحاجتين ويطير
إلى نفسك بهذين الجناحين، فيؤتيهما حظها من الفائدة
العقلية والمتعة الوجدانية معاً.
فهل رأيت هذا التمام في كلام الناس؟
لقد عرفنا كلام العلماء والحكماء، وعرفنا كلام الأدباء
والشعراء فما وجدنا من هؤلاء ولا هؤلاء إلا غلواً
في جانب، وقصوراً في جانب.
(فأما) الحكماء فإنما يؤدون إليك ثمار عقولهم غذاء لعقلك،
ولا تتوجه نفوسهم إلى استهواء نفسك واختلاب عاطفتك،
فتراهم حين يقدمون إليك حقائق العلوم لا يأبهون لما فيها
من جفاف وعري ونبو عن الطباع.
(وأما) الشعراء فإنما يسعون إلى استثارة وجدانك، وتحريك
أوتار الشعور من نفسك فلا يبالون بما صوروه لك أن
يكون غياً أو رشداً، وأن يكون حقيقة أو تخيلاً، فتراهم جادين
وهم هازلون، يستبكون وإن كانوا لا يبكون، ويُطربون
وإن كانوا لا يَطربون


(والشعراء يتّبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون)

وكل امرئ حين يفكر فإنما هو فيلسوف صغير،
وكل امرئ حين يحس ويشعر فإنما هو شاعر صغير،
فسل علماء النفس:


هل رأيتم أحداً تتكافأ فيه قوة التفكير وقوة الوجدان وسائر القوى النفسية على سواء؟
ولو مالت هذه القوى إلى شيء من التعادل عند قليل من الناس فهل ترونها تعمل في النفس دفعة وبنسبة واحدة؟ 


يجيبوك بلسان واحد:
كلا، بل لا تعمل إلا مناوبة في حال بعد حال،
وكلما تسلطت واحدة منهن اضمحلت الأخرى
وكاد ينمحي أثرها، فالذي ينهمك في التفكير تتناقص قوة وجدانه،
والذي يقع تحت تأثير لذة أو ألم يضعف تفكيره،
وهكذا لا تقصد النفس الإنسانية إلى هاتين الغايتين قصداً واحداً،
وإلا لكانت مقبلة مدبرة معاً،


وصدق الله:


 (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه)

فكيف تطمع من إنسان في أن يهب لك هاتين الطلبتين على سواء،
وهو لم يجمعهما في نفسه على سواء؟
وما كلام المتكلم إلا صورة الحال الغالبة عليه من بين تلك الأحوال.

هذا مقياس تستطيع أن تتبين به في كل لسان وقلم أي القوتين كان
خاضعاً لها حين قال أو كتب: فإذا رأيته يتجه إلى تقرير حقيقة نظرية
أو صف طريقة عملية قلت: هذا ثمرة الفكرة؛ وإذا رأيته يعمد إلى
تحريض النفس أو تنفيرها، وقبضها أو بسطها، واستثارة كوامن لذتها
أو ألمها، قلت: هذا ثمرة العاطفة؛ وإذا رأيته قد انتقل من أحد هذين
الضربين إلى الآخر فتفرغ له بعد ما قضى وطره من سابقه، كما ينتقل
من غرض إلى غرض، عرفت بذلك تعاقب التفكير والشعور على نفسه.
وأما أن أسلوباً واحداً يتجه اتجاهاً ويجمع في يديك هذين الطرفين معاً
كما يحمل الغصن الواحد من الشجرة أوراقاً وأزهاراً وأثماراً معاً
أو كما يسري الروح في الجسد والماء في العود الأخضر، فذلك
ما لا تظفر به في كلام بشر، ولا هو من سنن الله في النفس الإنسانية.
فمن لك إذاً بهذا الكلام الواحد الذي يجئ من الحقيقة البرهانية الصارمة
بما يُرضي حتى أولئك الفلاسفة المتعمقين، ومن المتعة الوجدانية
الطيبة بما يُرضي حتى هؤلاء الشعراء المَرِحين؟

ذلك الله رب العالمين؛ فهو الذي لا يشغله شأن عن شأن،
وهو القادر على أن يخاطب العقل والقلب معاً بلسان
وأن يمزج الحق والجمال معاً، يلتقيان ولا يبغيان،
وأن يخرج من بينهما شراباً خالصاً سائغاً للشاربين،
وهذا هو ما تجده في كتابه الكريم حيثما توجهت

ألا تراه في فسحة قصصه وأخباره
لا ينسى حق العقل من حكمة وعبرة؟
أوَلا تراه في معمعة براهينه وأحكامه لا ينسى حظ القلب
من تشويق وترقيق، وتحذير وتنفير، وتهويل وتعجيب، وتبكيت وتأنيب؟
يبث ذلك في مطالع آياته ومقاطعها وتضاعيفها



(تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله)

(إنه لقول فصل وما هو بالهزل)




https://www.goodreads.com/review/show/1024289900?book_show_action=false